shadow

ينظم موقع (بي بي سي فيوتشر) في يوم 21 من شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري مؤتمرا علميا عن “أفكار تغير العالم”، سيبحث بعض أكثر التطورات إثارة وتحدياً، التي تواجهنا في مجالات العلوم، والتقنية، والصحة.

وفي الفترة التي تسبق هذا المؤتمر، سنقدم دليلاً فريداً من نوعه بشأن المسائل التي ستطرح وتناقش فيه، ومنها مفهوم أساسي هو أن البشر قد يبنون يوما ما مجتمعات بشرية في الفضاء بعيداً عن كرتنا الأرضية.
لماذا ينبغي علينا التفكير في استيطان الفضاء بشكل جدّي؟
مع تنامي التنافس بين شعوب كوكبنا لسبر أغوار الفضاء واستغلال موارده، أصبح العديد مقتنعين بأننا نحتاج إلى النظر إلى ما وراء كوكب الأرض لنضمن بقاء واستمرارية الجنس البشري.

وقد صرح مؤخراً ايلون ماسك، رجل الأعمال والمدير التنفيذي لشركة السياحة الفضائية (سبيس-إكس) قائلا: “أعتقد أن هناك جدلا محتدما لكي يسود البشر على كواكب متعددة من أجل حماية كيان البشرية ووجودها في حالة وقوع كارثة مروعة”.

حتى وإن لم تؤمن بهذه الرؤية القاتمة، فإنه يصعب تجاهل الغريزة الإنسانية الأبدية لاكتشاف المجهول– هذا الدافع الذي يمكنه أن يحث البشر على الانطلاق بعيداً عن الأمان الذي يوفره كوكبنا.

ربما لن تكون هناك عقبات عديدة أمامنا، كما قد تعتقد. فقد ذكر رائد الفضاء السابق جيفري هوفمان، والذي سيعرض أفكاره في المؤتمر القادم، في سياق حديثه سابقاً لبرنامج (بي بي سي فيوتشر): “لقد وصلنا إلى مستوى من التقنية يمكننا فيه أن نتخيل ترك كرتنا الأرضية والذهاب إلى عدد من الأجرام السماوية القريبة ضمن مجموعتنا الشمسية”.

وأضاف: “القمر قاب قوسين أو أدنى منا، وكوكب المريخ ليس ببعيد عنا. من المحتمل أن نخطو الخطوات الأولى، على الأقل، للقيام بهذه الرحلات في زمننا المنظور”.

كيف ستبدو مستوطنات الفضاء؟

تعود إحدى التصورات المحتملة إلى العشرينيات من القرن الماضي، حيث تخيل هيرمان بوتوكنيك، النمساوي-المجري والريادي في علم الصواريخ، مركبة فضائية دائرية – مثل صحن طائر- تدور حول نفسها لتولد جاذبية صناعية في الوقت الذي تقوم فيه مرآة مقعرة بتركيز أشعة الشمس بغرض توليد الطاقة.

اقرأ أيضاً  في 2015.. العالم يحتفل بالضوء وابن الهيثم

قد تبدو الفكرة بعيدة المنال، لكنها ظلت تراوح مكانها عبر السنين– حتى طرحت مرات أخرى أبرزها في أواسط السبعينيات من القرن الماضي من قبل الفيزيائي الراحل جيرارد أونيل، من برينستن.

وطرحت كذلك من قبل مؤسسة الأبحاث الفضائية (جمعية الكواكب البريطانية). وقبل أن تصرف النظر تماماً عن فكرة المستوطنات العائمة، كانت جمعية الكواكب البريطانية قد تنبأت بأننا سنصل إلى القمر قبل ثلاثة عقود من حدوث ذلك فعلاً.

ماذا عن العيش على كوكب المريخ؟ أو على أي كوكب آخر؟

يفضل خبراء آخرون فكرة الاستقرار على أرض أكثر صلابة – مثل كوكب ما أو على سطح القمر- لإنشاء “محيط حيوي” صناعي بكافة عناصره اللازمة لازدهار الحياة البشرية فيه.

وقد تركز الاهتمام الرئيسي على المريخ. وعلى نحو يدعو إلى الدهشة، حاول البعض اتخاذ خطوات فعلية لإنشاء تجمعات بشرية جديدة هناك بحلول عام 2025.

ففي عام 2012 بدأ المشروع الهولندي الذي يحمل اسم “المريخ واحد”، والذي اختار بعد فحص وتدقيق 40 شخصاً من بين مجموعة تقارب 200 ألف من المتقدمين.

وعلى هؤلاء الأشخاص الآن أن يتلقوا تدريباً في إطار برنامج تلفزيوني واقعي من أجل المساعدة في تمويل المشروع.

لكن مشروع “المريخ واحد” له معارضيه أيضا – وهو ما يوضح على الأقل الاهتمام الكبير باستيطان الفضاء.

وثمة شائعات تقول إن ماسك، صاحب مؤسسة (سبيس-إكس)، قد وضع عينيه على استيطان الكوكب الأحمر عن طريق مركبة هائلة تدعى (ناقلة الاستيطان المريخية)، التي إذا ما أعيد استعمالها فإنها ستخفض كثيرا من نفقات الرحلات المكوكية.

وقد صرح لموقع ومجلة (أيون Aeon) أن هذه ليست سوى البداية، وأضاف ماسك: “إذا استطعنا إنشاء مستوطنة على سطح المريخ، فإنه يكاد يكون من المؤكد أن نستوطن كامل المجموعة الشمسية، لأننا سنكون قد أسسنا أرضية اقتصادية قوية لتوظيفها في تطوير السفر إلى الفضاء”.

وأضاف: “سنسافر إلى أقمار كوكب المشترى، على الأقل إلى أقماره الخارجية بالتأكيد، ومن المرجح أيضاً أن نصل إلى قمر تايتان التابع لكوكب زحل، وبعض الكويكبات والأجرام السماوية الأخرى”.

اقرأ أيضاً  تقنيات اليوم تلحق بعالم الخيال العلمي

ومع ذلك، يضع ماسك الخطوط العريضة للإقامة فوق أسطح كواكب بعيدة. وبحسب قوله: “تقع مجموعة (ألفا سنتوري ) النجمية على بعد أربع سنين ضوئية، فإذا ما انطلقنا بسرعة تقرب من 10 في المئة من سرعة الضوء، فإن الرحلة ستسغرق 40 عاماً، هذا بافتراض أننا سنصل إلى هذه السرعة على الفور، علماً بأن هذا ليس واقع الحال. وأتساءل ما الذي سيكون عليه حال البشرية عندما نحاول القيام بذلك”.

كيف سيمكننا التأقلم مع الحياة في الفضاء؟ أو أن نصل إلى هناك؟

إن العيش على (محطة الفضاء الدولية) يكشف لنا بعض التحديات الضخمة التي ستواجهنا. فنقل الماء اللازم للمقيمين على متنها، وهم ستة أشخاص فقط، يكلف، ببساطة، ما يقرب من ملياري دولار سنوياً، ناهيك عن صعوبات توفير الطعام والأوكسجين لهم.

تحتاج مستوطنة الفضاء، بشكل مثالي، لأن تكون مكتفية ذاتياً بإنتاج كل هذه الموارد بنفسها، أو ربما التنقيب عنها في الكويكبات القريبة.

وماذا عن الإجهاد والضغوط على الجسم البشري: يمكن لانخفاض أو انعدام الجاذبية أن يؤديا إلى هشاشة العظام، وترهل العضلات، وارتفاع خطير في الضغط داخل الرأس، مما يؤدي أحياناً إلى مشاكل مؤقتة ودائمة في العينين.

في الوقت نفسه، يمكن للإشعاع الكوني أن يسبب عتمة عدسة العين (أو ما يعرف بالمياه البيضاء)، ويزيد من مخاطر الإصابة بأمراض السرطان. أضف إلى ذلك أن قلة النوم والشعور بالوحدة يمكنهما أن يفسدا مخيلة المرء.

ستحتاج أية مستوطنة فضائية إلى وضع الحلول لجميع هذه المعوقات وغيرها الكثير – بما في ذلك القضايا اليومية الشائكة التي يمكن أن تطرأ. فعلى سبيل المثال تميل بعض المواد – بما في ذلك شعر الوجه- إلى أن تكون أكثر عرضة للاشتعال عند انخفاض أو انعدام الجاذبية.

ما هو أكثر عرضة للاشتعال أيضا علاقاتنا مع زملائنا وأصحابنا. ففي مسعىً لمحاكاة الرحلة الطويلة إلى المريخ، قام الباحثون في مشروع (المريخ 500) بحبس ستة متطوعين في حجرة صغيرة مغلقة في موسكو، في مساحة تقل عن 80 متراً مربعاً، ولمدة 520 يوماً.

اقرأ أيضاً  أسئلة وأجوبة حول فيروس زيكا

انحرفت دورة نوم أحد المشاركين بشكل كان يندر فيه أن يكون مستيقظا عندما يكون أقرانه من “الملاحين” الآخرين مستيقظين. وظهرت على شخص آخر أعراض الكآبة، بينما بدأ ثالث يعاني من تدهور حالة الإدراك لديه.

ناهيك عن ذكر القضايا السياسية مثل كيفية حكم هؤلاء البشر المعزولين، والطريق إلى منع الصراع بين هذه المجموعات الجديدة الهشة. قد تبدو هذه الأفكار وكأنها في مستقبل بعيد، لكن بعض العلماء والفلاسفة قد بدأوا فعلاً في وضع “مسودة دستور” لمجتمعات المستقبل هذه.

لنفترض أننا نجحنا في ذلك، هل سيختلف البشر الذين يعيشون أو يولدون في الفضاء عني وعنك؟

شريطة أن يقدر البشر على التناسل في الفضاء، وبحسب معلوماتنا عن المشاكل الصحية لرواد الفضاء، فإن مسألة التناسل غير مضمونة بأي حال من الأحوال.

فهذه المستوطنات المعزولة ستبدأ في بناء ثقافتها الفريدة والخاصة بها في فترة مبكرة. فربما سيطور سكانها لغاتهم الخاصة بهم، حتى أنهم قد يتطورون تدريجياً ليكون لديهم جيل جديد بصفات جسمانية جديدة.

وفقاً لما يقوله كاميرون سميث من جامعة بورتلاند الحكومية، فإن مستوطنة فضائية تبدأ بما يقرب من 2000 شخص ستبدو وتتصرف بشكل مختلف خلال 300 عام تقريباً من تأسيسها، إذ ستؤدي الطفرات الوراثية إلى تغيرات في نسيج الشعر ونوع الجلد والقوام، وبالتالي إلى استبدال الهيئات الممتلئة التي نتصف بها، وربما وصولا إلى أشكال أخرى يسهل تحركها في ظروف الجاذبية المنخفضة أو المنعدمة.

ويتوقع سميث أن تستفيد مجتمعات المستقبل من هندسة الجينات لتصميم أعضاء جديدة جذرياً – من أجل الحماية من الأشعة الكونية مثلا من خلال تصميم أشكال خيشومية تساعد في استخراج الأوكسجين من ثاني أوكسيد الكاربون، وهذا بدوره قد يمكن سكان المريخ من مغادرة محيطهم الحيوي الصناعي والإقامة في موطنهم الجديد بشكل فعلي.

 

shadow

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *