shadow

لا تختلف السيجارة الإلكترونية الحديثة في أوجه كثيرة عن السيجارة التقليدية المصنوعة من الورق والتبغ. فعندما تسحب نَفَسًا من السيجارة؛ ستحصل على جرعة نيكوتين حقيقي. الفارق بينهما أن السيجارة الإلكترونية تقدم لك هذا النيكوتين من خلال سائل محتجَز في حاوية وحدة تبخير تعمل ببطارية، حيث يتم تسخين هذا السائل من خلال خلية تسخين مدمجة. عندما يستعملها المدخنون؛ فإنها تنتج سحابة من الدخان؛ تقنِعهم ـ إلى حد ما ـ بأنهم يدخنون سيجارة حقيقية، بل إن سجائر إلكترونية عديدة تحتوي على مصباح مضيء في الطرف، يتوهج باللون الأزرق، أو الأخضر، أو الأحمر؛ ليحاكي تجربة التدخين كاملةً، تلك التجربة التي طالما أضفى عليها الكتّاب وصنّاع الأفلام صبغة رومانسية. الشيء الوحيد الذي لا يوجد في هذه السجائر الإلكترونية هو عشرات المواد الكيميائية المسبِّبة للسرطان، التي توجد عادةً في النظائر الورقية لهذه الأعجوبة الرقمية.

ربما تُعَدّ السجائر الإلكترونية، التي تُعرف أيضًا بأسماء عديدة من ضمنها «أجهزة التبخير الشخصية»، أو «أجهزة النيكوتين الإلكترونية»، من أكثر الأجهزة المثيرة للجدل التي اختلف حولها باحثو الصحة العامة العاملون في مجال مكافحة التبغ. فبالنسبة إلى بعض الباحثين، تبشر السجائر الإلكترونية باقتلاع سلوك تَسَبَّب في وفاة مئة مليون شخص في القرن العشرين، بينما يخشى آخرون أنها قد ترسِّخ هذه العادة، وتهدر عقودًا طويلة من الجهد.

الآن، غدا المتحدون بالأمس ضد خصم مشترك منقسمين بشدة على أنفسهم. يقول مايكل سيجل، طبيب وباحث في التبغ بجامعة بوسطن، كلية الصحة العامة، بولاية ماساتشوستس: «تَسَبَّبَت هذه السجائر الإلكترونية في انقسامات حادة بين المنخرطين في مكافحة التبغ. لدينا الآن فريقان متعارِضان تمامًا، دون أي أرضية مشتركة».

يفتقر الفريقان إلى أدلّة كافية تعزِّز موقف أيٍّ منهما. وحتى عندما تظهر الدراسات، فإنها تشعل في الغالب جدلًا عنيفًا. هذا.. ولم تعد مواكبة المنتجات التي تتدفق من المصانع الصينية مهمة قاصرة على الباحثين فحسب، فشركات التبغ التقليدية تحاول حجز مقعد لها في السوق الوليدة، بينما لا تزال الجهات التشريعية متعثرة في تحديد الإجراءات التي ينبغي أن تتخذها حيال هذه التغيرات.

بعض الدول، مثل سنغافورة والبرازيل، حظرت هذه السجائر الإلكترونية تمامًا، بينما اقترحت الإدارة الأمريكية للأغذية والأدوية وضع هذه المنتجات تحت إشرافها وسلطتها مثل التبغ، ولكنْ أدَّت قضايا وتأجيلات إلى عرقلة هذا المسعى لإصدار تشريع رسمي بذلك. في مايو، أنهى الاتحاد الأوروبي تنقيحًا شاملًا للقواعد التي تحكم منتجات التبغ في الدول الأعضاء، وتضمنت هذه القواعد ضوابط ومعايير لمنتجات السجائر الإلكترونية، وقيودًا على الإعلانات، لكن هذه القواعد الأخيرة ستستغرق سنوات طويلة حتى تدخل حيز التنفيذ. وفي 26 أغسطس، أصدرت منظمة الصحة العالمية تقريرًا، كان من ضمن توصياته تقييد استخدام السجائر الإلكترونية داخل المنشآت والمباني، وحظر نكهات معينة، وقصر المبيعات على البالغين من سن 18 سنة، فأكبر. وستجري مناقشة هذا التقرير خلال هذا الشهر؛ لتحديد الأسلوب الأمثل للتعامل مع المنتجات ضمن الاتفاقية الإطارية الدولية بشأن مكافحة التبغ، التي تُلْزِم الحكومات بإصدار التشريعات التي تنظم استهلاك التبغ، وتحاول تقليل تأثيره على الصحة.

تشمل الأسئلة العالقة، التي لم تُحسَم بشكل قاطع: ماهية المكونات التي توجد في السجائر الإلكترونية المتاحة حاليًا في الأسواق، وتأثيرها الصحي. ويشغل بال الباحثين كذلك ما إذا كان مستهلكو السجائر الإلكترونية سيقلِعون عن التدخين التقليدي، أم سينتهي بهم الأمر إلى استخدام كلا النوعين. هل من الممكن أن تكون السجائر الإلكترونية مجرد بوابة تقود إلى زيادة استهلاك التبغ؟

يقول سيجل إن الجميع متفق حول البيانات والتجارب المطلوبة، لكن أحدًا لا يضمن اتفاق الجميع على النتائج التي تسفِر عنها هذه التجارب، وعلى حد قوله: «ليس واضحًا لي أن العلم سينهِي هذا الجدل».
سوق الحريق

السجائر الإلكترونية، أو الأجهزة التي صُمِّمت لتجعل التدخين بلا دخان، موجودة منذ سنوات، لكن أغلبها إما فشل في كسب أي انتشار، أو ظل محدودًا في استخدامه، كأجهزة استنشاق النيكوتين، بناءً على إرشادات الطبيب. يرجع الفضل في تطوير السيجارة الإلكترونية الحديثة منذ عشر سنوات مضت تقريبًا إلى مخترع صيني، اسمه هون ليك. وقامت الشركة التي يعمل فيها ـ واسمها رويان، ومقرها في شينزن ـ بتسويق اختراعه على نطاق تجاري، حيث شهد منافسة من عدة منتجات مماثلة.

وحسب دراسة1 أجرتها جامعة كاليفورنيا، في سان دييجو، كانت هناك أكثر من 288 علامة تجارية من السجائر الإلكترونية على الإنترنت في عام 2012، بعض هذه العلامات التجارية يندرج تحتها عدة منتجات. وفي يناير 2014، أصبح لدينا 466 علامة تجارية من السجائر الإلكترونية، أي بمعدل إطلاق 10 علامات تجارية كل شهر. وهناك إقبال واضح من المشترين على هذه السجائر الإلكترونية، ففي بريطانيا فقط يقدَّر عدد مستخدميها بمليوني شخص، رغم أنه لم يمض على تدشينها سوى بضع سنوات فقط.

اقرأ أيضاً  هل توجد حياة على المريخ؟

هذا الإقبال الهائل حيّر وأربك العلماءَ والجهات التشريعية. يقول ويلسون كومبتون، نائب مدير المعهد الوطني الأمريكي لإدمان المخدرات في بيثيسدا بولاية ميريلاند: «أنا شخصيًّا مذهول من فرط السرعة التي نمت بها سوق هذه المنتجات».

ومما يعقِّد المشهد أكثر.. ما شهدته السجائر الإلكترونية ذاتها من تطوُّر وتقدُّم فائق السرعة. فالنماذج الأولى التي تشبه السجائر تطورت وأصبحت تحتوي على وحدات تبخير تكلف مئات الدولارات، قابلة للتخصيص حسب رغبة المدخن، وقد تحتوي على أي شيء، بدءًا من الطلاء بالذهب إلى البرمجيات التي تحدد كيفية عمل هذه السجائر الإلكترونية.

بناءً على ذلك.. وسَّع الباحثون من دائرة جهودهم؛ لتوفير المعلومات الإرشادية للجهات التشريعية. فالسجائر الإلكترونية تبشر بتخفيض جوهري في معدل الوفيات الناجمة عن التدخين، دون أن تحرم مستهلكي التبغ من النيكوتين الذي يحتاجونه. ومن العبارات التي تتردد كثيرًا في دوائر مكافحة التبغ أنَّ «متعاطي السجائر يدخنون من أجل النيكوتين، ولكنهم يموتون من الدخان».

ويظل السؤال الأساسي والجوهري ـ هل السجائر الإلكترونية آمنة؟ ـ متخبطًا بين جدران المعلومات غير المؤكدة والأدلّة غير الحاسمة. فالبعض يرى استهلاك النيكوتين لفترة طويلة بعيدًا عن التبغ آمنًا نسبيًّا، وإنْ كان من الممكن أن يتسبب في منع الحمل، أو بعض الأعراض النادرة المحددة، لكن النيكوتين ليس آمنًا من الأخطار تمامًا، فقد تناول بعض المدخنين جرعات نيكوتين زائدة من السجائر الإلكترونية، أو سكبوه على جلدهم؛ الذي تَشَرَّبَه وامْتَصَّه.

كذلك فإن الآثار طويلة المدى لاستنشاق جليكول البروبيلين ليست معروفة، وهي المادة الكيميائية التي تكوِّن أغلب السائل المتبخر في السجائر الإلكترونية، وهي تَستخدم في عشرات التطبيقات التجارية، بدءًا من الأغذية إلى البلاستيك، وقد ثبت أنها آمنة، إلا إذا تم استهلاكها بمستويات مرتفعة للغاية. تبيِّن بعض الأدلة من تطبيقاتها في المسرح، حيث تُستخدم في عمل الضباب والشبورة، أنها قد تسبِّب حساسية للجهاز التنفسي، ولكن لا توجد أدلة طويلة المدى حول تأثير استنشاقها

تحتوي سجائر إلكترونية عديدة على عناصر كيميائية أخرى، تُضاف من أجل النكهة، والمعلومات المعروفة عن هذه العناصر قليلة. وهناك أيضًا مخاوف أخرى مشروعة عن معايير الجودة للمنتجات، فقد عُثر على ملوثات سامة، وفي بعض الحالات القليلة انفجرت البطاريات؛ وسبَّبت إصابات.

يُجْرِي الباحثون في جميع أنحاء العالم على السجائر الإلكترونية الاختبارات نفسها المستخدَمة في تسليط الضوء على أضرار السجائر التقليدية على صحة الإنسان. وقد اكتشف البعض تغييرات جينية2 على خلايا الشُّعَب الهوائية المستنبَتة في المختبر في وسط مُعرّض لبخار السجائر الإلكترونية (انظر: Nature 508, 159; 2014). تبدو هذه التغييرات مماثلة للتغييرات التي يسببها دخان التبغ التقليدي. ووجدت دراسة أخرى3 أن التدخين باستخدام السجائر الإلكترونية ـ مثل السجائر العادية ـ يؤدي إلى انخفاض في كمية أكسيد النيتريك الخارجة مع الزفير، وهو ما يُعَدّ علامة على أن السجائر الإلكترونية تغيِّر وظيفة الرئة، لكن هذه النتائج لا تزال مبكِّرة، وغير مؤكَّدة.

ويرى المتفائلون بشأن المزايا المحتملة للسجائر الإلكترونية، أنه رغم الحاجة الواضحة إلى مراقبة ودراسة مدى سلامة هذه السجائر الإلكترونية على الصحة، لكنها لن تكون أبدًا ـ بأي حال من الأحوال ـ في خطورة السجائر التقليدية.

تقول لين دوكنز، رئيس الفريق البحثي المعني بالمخدرات والسلوكيات الإدمانية في جامعة شرق لندن ببريطانيا: «المقارنة الرئيسة هنا هي مع التدخين التقليدي». وترى دوكنز أن المخاطر المنخفضة للسجائر الإلكترونية، واعتقاد العديد من المدخنين أنها بديل مقبول للتبغ يجعلها ـ بصفة عامة ـ منتَجًا آمنًا (بعض أبحاث دوكنز حصل على التمويل من شركات منتِجة للسجائر الإلكترونية).

أطفئ السيجارة

يغمر التفاؤل دوكنز وآخرين بأن السجائر الإلكترونية ـ بجانب كونها بديلًا آمنًا ـ ستساعد الناس على الإقلاع عن التدخين، لكن في دول عديدة صرحت باستخدامها، لا يمكن بيع السجائر الإلكترونية كأدوات مساعِدة على الإقلاع عن التدخين. ففي بريطانيا ـ على سبيل المثال ـ يتطلب ذلك ترخيصها كدواء. أما الولايات المتحدة، فقد حظرت أيضًا الادعاءات المباشرة بشأن مساعدة الناس على الإقلاع، لكن بعض الماركات التجارية تتحايل على ذلك بشهادات من المدخنين أنفسهم، أو برسائل أخرى ضمنية عن مزايا الأجهزة.

وحتى الآن، نسمع ضجيجًا ولا نرى طحنًا.. هناك كثير من الحكايات، وقليل من الأدلة الدامغة. إحدى التجارب القليلة العشوائية على السجائر الإلكترونية أجراها كريستوفر بولين، الذي درس مكافحة التبغ في جامعة أوكلاند في نيوزيلندا. وتوصلت دراسته ـ التي نُشرت في العام الماضي4 ـ إلى أن النماذج الأولى من السجائر الإلكترونية كانت في مثل فعالية لصقات النيكوتين في مساعدة المدخنين على الإقلاع، لكنّ المعارضين لهذه الدراسة يستشهدون بنقاط الضعف، مثل المشكلات التي تحدث في مراقبة الاستخدام الفعلي للسجائر الإلكترونية والاختلافات في طريقة حصول المشاركين في الدراسة عليها. فالمشاركون ـ على سبيل المثال ـ قد يتجشمون عناء الحصول على لصقات النيكوتين أكثر مما يلاقونه من أجل الحصول على السجائر الإلكترونية.

اقرأ أيضاً  خمس خطوات لاستيطان كوكب المريخ

في غياب المزيد من التجارب المُحْكَمة، جاب الباحثون الإنترنت للحصول على البيانات واستطلاعات المدخنين. ووجدت دوكنز وفريقها5 أن العديد من المدخنين يتحدثون عن استخدام السجائر الإلكترونية للإقلاع عن التدخين، وأن هؤلاء المدخنين يستغرقون وقتًا أطول في الصباح، قبل أن يحصلوا على جرعتهم الأولى من بخار النيكوتين عن طريق السجائر الإلكترونية، مقارنةً بالوقت الذي يستغرقه المدخنون قبل أن يدخنوا سيجارتهم الأولى في الصباح، وهي إشارة توحي بنقص معدلات النيكوتين. هذا.. غير أن معارضي السجائر الإلكترونية لديهم نفوذهم الخاص. فقد ركزت دراسة نُشرت هذا العام6 على 949 مدخنًا تحدثوا عن عاداتهم على الإنترنت، وتوصّلَت إلى أن مستخدمي السجائر الإلكترونية ليسوا أكثر ميلًا للإقلاع عن التدخين من المدخنين الآخرين. وتعارِض دوكنز والمدافعون الآخرون عن السجائر الإلكترونية ذلك بقولهم إن أجهزة السجائر الإلكترونية قد تروق للأشخاص الذين كانوا يدخنون التبغ بشراهة، ولذا.. فمثل هذه النتائج لا تسلط فعليًّا أي ضوء على هذه القضية (انظر: Nature http://doi.org/t3f; 2014).

يرى بيتر هايك ـ باحث التبغ بجامعة كوين ماري في لندن ـ أن إحدى مشكلات استخدام السجائر الإلكترونية للإقلاع عن التدخين تتمثل في أن غالبية هذه السجائر ـ في الوقت الحالي ـ قد تكون أقل فاعلية في توصيل النيكوتين من تدخين سجائر التبغ. ويضيف قائلًا: «أعتقد أن السجائر الإلكترونية ستستغرق خمس سنوات، حتى تصبح فعالة مثل السجائر العادية في تزويد المدخنين بما يحتاجونه من النيكوتين، ما لم تحظرها الجهات التشريعية تمامًا». وعندما تصل إلى هذه المرحلة؛ فإن ذلك سيؤدي ـ حسب قوله ـ إلى اختفاء السجائر التقليدية تمامًا.

هذا.. لكن الذين يؤيدون وضع ضوابط صارمة على السجائر الإلكترونية قلقون لعدة أسباب حول التخلي عن أي مكاسب في المعركة من أجل مكافحة التبغ. فعندما يصبح التدخين أكثر صعوبة، على سبيل المثال.. من خلال حظر الأماكن التي يستطيع المدخنون فيها إشعال سجائرهم، قد يدخنون السجائر الإلكترونية بجانب السجائر الورقية؛ للحفاظ على مستويات النيكوتين. ومثل هذه الازدواجية في التدخين ستقوِّض الجهود المبذولة لمنع التدخين نهائيًّا. ورغم أن المدخنين الذين يستخدمون السجائر التقليدية مع الإلكترونية قد يدخنون عددًا أقل من السجائر، مقارنةً بمن يدخنون بشراهة، الأمر الذي سيقلل مخاطر إصابتهم بالسرطان إلى حد ما، فمجرد تقليل مستويات التدخين يقلِّل من مخاطر الإصابة بمتاعب في القلب والأوعية الدموية.

أما الذين يخشون أن يكون ضرر السجائر الإلكترونية أكثر من نفعها، فيحذِّرون من أنها ستجعل التدخين أمرًا مقبولًا مرة أخرى في المجتمع. فبعد أن فرضت دول متقدمة عديدة قيودًا مشددة على إعلانات التبغ، بالإضافة إلى الضرائب الثقيلة والتحذيرات الطبية، أصبح استهلاك التبغ عادة مشينة إلى حد كبير. والآن، تنذِر السجائر الإلكترونية ـ التي تمضي في دول عدة، دون رقابة أو تشريع ـ بانهيار هذه النظرة، وتقويض الوضع الراهن.

وأكبر مخاوف المعارضين هو أن تجذب السجائر الإلكترونية الشبابَ للتبغ. وقد وجدت7 المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها في أطلنطا بولاية جورجيا أن نحو 1.78 مليون مراهق في الولايات المتحدة الأمريكية قد استخدموا السجائر الإلكترونية، وأن أقل من %10 من هؤلاء لم يسبق لهم تدخين أي سجائر عادية.

عندما نُشرت هذه الأرقام في العام الماضي، قال توم فريدن ـ مدير المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، الذي رأس عديدًا من المبادرات العارضة للتدخين عندما كان يشغل منصب مفوض الصحة في نيويورك سيتي ، إن «الاستخدام المتزايد للسجائر الإلكترونية بين المراهقين أمر يثير الكثير من القلق والانزعاج»، وحذر قائلًا: «شباب كثيرون ممن يبدأون استخدام السجائر الإلكترونية قد ينتهي بهم الأمر إلى المعاناة طوال حياتهم من إدمان النيكوتين والسجائر التقليدية».

إنّ المراهقين أكثر ميلًا للتجربة غالبًا، وربما هذه الحقيقة هي كل ما تؤكده هذه البيانات. يقول أنصار السجائر الإلكترونية إنها إذا كانت ستؤدي إلى زيادة التدخين، فإن معدلات التدخين كانت سترتفع بالفعل في ضوء عدد الذين يستخدمون السجائر الإلكترونية. وهذا لا يبدو أنه قد حدث حتى الآن، ففي الدول المتقدمة، تشهد معدلات التدخين ـ بصفة عامة ـ انخفاضًا مستمرًّا.
شباب وصغار في خطر

اقرأ أيضاً  هل يمكننا بناء قرية على القمر باستخدام الأتربة على سطحه؟

نُشرت دراسة أخرى8 مثيرة للجدل حول هذا الموضوع، تجسِّد حجم الخلاف الواقع، أجراها سانتون جلانتز، مدير مركز الأبحاث والتعليم لمكافحة التبغ في جامعة كاليفورنيا، بسان فرانسيسكو، الذي قضى سنوات في مكافحة التبغ والشركات التي تنتجه.

في مارس، حلَّل جلانتز، وزميلته لورين دوترا، مسحًا للمراهقين الأمريكيين، وتوصَّلا إلى أن الذين استخدموا السجائر الإلكترونية كانوا أكثر ميلًا من الآخرين لتدخين السجائر التقليدية. وكَتَبَا في دراستهما قائلَين: «مع الملاحظات التي أكدت أن مستخدمي السجائر الإلكترونية من المدخنين بشراهة وأقل ميلًا للإقلاع عن التدخين، فإن النتائج تبين أن استخدام السجائر الإلكترونية يؤدي إلى استشراء وباء التبغ بين الشباب، بدلًا من الحدّ منه، ومكافحته.»

تعرّضت الدراسة لنقد لاذع، واتهام بالخلط بين الاقتران والسببية. يقول سيجل: «هذان الباحثان يستخلصان نتائج لا تعززها البيانات». ورغم أن هناك ارتباطًا واضحًا بين التدخين الشره والسجائر الإلكترونية على حد قوله، فإنه لم يثبت لدينا ما إذا كانت السجائر الإلكترونية تؤدي إلى التدخين، أم العكس. يرى جلانتز أن الكثير من الاستياء والغضب الذي سببته دراسته ناجِم عن استخدام كلمة «بوابة» في البيان الصحفي، الذي أثار استياءہ هو شخصيًّا، لكنه يؤكد أن البيانات في الدرسة تدعم النتائج التي توصَّلا إليها.

في المجمل، على حد قول جلانتز، ربما تكون السجائر الإلكترونية «إذا تم تقنينها بالتشريعات الملائمة، وتوفيرها بوصفة من الطبيب» حلًّا جيدًا، ولكنها تؤدي في الوقت الحالي إلى زيادة عدد الأطفال الذين يتعاطون النيكوتين وتتسبَّب في الترويج للتدخين بين الأطفال.

بعث كلا الفريقين بالتماسات وخطابات احتجاج إلى منظمة الصحة العالمية، قبل حتى أن تعلن عن موقفها الحازم من السجائر الإلكترونية في أغسطس. ففي خطاب يوم 26 مايو إلى مارجريت شان ـ رئيسة منظمة الصحة العالمية ـ قال باحثون كبار ـ مثل دوكنز، وبولين، وهايك ـ إن التشريعات المتشددة قد تؤدي إلى عكس المراد منها، ولن تخدم سوى مصالح سوق السجائر العادية، وقالوا إن السياسات التي تسعى لتخفيف الضرر «تم إغفالها، بل تم تهميشها عن قصد».

ردَّ فريق آخر من العلماء البارزين ـ منهم جلانتز ـ على هذا الخطاب بقولهم إنه لا توجد أدلّة كافية على أن السجائر الإلكترونية مُجْدِية أو فعّالة في الإقلاع عن التدخين، بينما تتوفر أدلة قوية على أنها تخلِّف مكونات سامة، وقد يؤدي فتح الباب لانتشار السجائر الإلكترونية دون رقابة إلى إتاحة الفرصة لشركات التبغ للتأثير على السياسات.

تتجه شركات التبغ إلى سوق السجائر الإلكترونية في حماس مفرط. فالعلامة التجارية الأولى في الولايات المتحدة «بلو» ـ التي وافقت رينولدز أمريكان، التي تصنع سجائر «كاميل»، على بيعها للشركة المنافسة «إمبيريال توباكو» في يوليو ـ تستحوذ على نصف السوق الأمريكية، وفقًا لبعض التقديرات. وقد أبقت رينولدز على ملكية علامة «فيوز» الشهيرة. أما شركة ألتريا، التي تشتهر بعلامة سجائر «مارلبورو»، فلديها سيجارتها الإلكترونية الخاصة «مارك تين».

يشير جيسون هيوز ـ باحث في التبغ، ورئيس قسم علم الاجتماع في جامعة ليستر ببريطانيا ـ إلى أنه رغم النظر إلى السجائر الإلكترونية في الغالب على أنها شيء جديد تمامًا، فإنها لا تعدو أن تكون محاولة أخرى في سلسلة طويلة من المحاولات التي تجعل استهلاك التبغ أكثر «تحضُّرًا» من مضغ التبغ، إلى تدخين السجائر الورقية، إلى استخدام فلتر في التدخين، ولكنها أيضًا تمثل نقطة تحول، فرغم أن النيكوتين الذي تحتويه مستمَدّ من النباتات، إلّا أنّ المدخنين الآن أصبحوا بعيدين تمامًا عن أوراق التبغ، غير أن تقرير ما إذا كان هذا الابتعاد شيئًا جيدًا حقًّا يكتسي بأهمية بالغة عندما يعرِّض الملايين حياتهم للخطر من أجل جرعة نيكوتين، وذلك رغم التحذيرات المصورة والمستمرة من مخاطر التدخين. لهذا.. تُعَدّ الدراسات السكانية التي تحاول تحديد الآثار الحقيقية لتكنولوجيا السجائر الإلكترونية الجديدة على قدر كبير من الأهمية والحيوية، حسبما يقول كومبتون.

هناك أمر يتفق عليه جُلُّ الباحثين، وهو أنه بينما ينشغل الجميع بالجدل، تُوَاصِل السجائر الإلكترونية انتشارها. وأيًّا كان رأي الباحثين في هذا، «من الواضح أن الجماهير تختار قرارها بنفسها»، على حد قول كومبتون.

 

المصدر:

دانْيِل كِريسي

مجلة نيتشر العربية

shadow

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *