shadow

إذا كان تأسيس منزل على كوكب آخر احتمالاً يُثبط العزائم، فها هو مراسل بي بي سي لشؤون الفضاء، ريتشارد هولّينغهام، يقدم لنا المساعدة.

يبدو أن الكثيرين يريدون التخلي عن كوكب الأرض والهجرة منه. فلم يكن الاهتمام بترك وطننا الأكبر– كوكبنا- للبدء في حياة جديدة على المريخ أعظم مما هو عليه الآن.
كان ذلك الموضوع أحد النقاط الساخنة في المؤتمر الأخير الذي نظمه موقع “بي بي سي فيوتشر” في نيويورك تحت عنوان “أفكار تغير العالم”.

هناك دلائل تشير إلى احتمال حدوث ذلك في يوم ما، إذ تتهيأ وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” لإنتاج مركبة ضخمة جديدة لإطلاق الصواريخ إلى الفضاء ضمن ما يعرف بـ “منظومة الإطلاق الفضائية” (SLS) القادرة على إيصال البشر لأبعد من مدار كرتنا الأرضية.

أما مشروع “المريخ واحد” فقد وظّف المئات من المتطوعين لبرنامجه التلفزيوني الواقعي لتمويل رحلة ذهاب إلى الكوكب الأحمر. بينما تكثف “جمعية المريخ” من دراساتها حول ما يلزم الأشخاص لكي يصبحون من سكان المريخ.

يسهل علينا تصور أن الحضارة الإنسانية على المريخ هي مسألة حتمية، ومع ذلك، لا تشرع بوضع جميع ممتلكاتك الدنيوية على موقع “إي باي” لبيعها وتسجيل اسمك لبداية حياة جديدة في “فوهة غيل” المعروفة على المريخ.
فما يستحق أن تأحذه في الاعتبار هو العقبات التي يجب تجاوزها لبناء مستوطنة فضائية مستديمة على كوكب المريخ. فلن يكون الأمر هيّناً.

ونعرض فيما يلي خمس خطوات لبناء حياة جديدة على كوكب المريخ:

1- الوصول إلى هناك

ستتمكن “ناسا” أخيراً خلال العقد القادم من صنع مركبة فضائية قادرة على القيام برحلة إلى المريخ، حيث تزن منظومة الإطلاق الفضائية الجديدة التي تجهزها ناسا نحو 2500 طن، وتتضمن كبسولة “أورايون” الفضائية التي ستمكّن رواد الفضاء من اكتشاف ما وراء المجال القريب لمدار الأرض، وذلك لأول مرة منذ انتهاء برنامج أبوللو إلى سطح القمر في عام 1972.

قد تتطلب الرحلات الطويلة أيضاً تخصيص وحدة سكنية تتيح للطاقم مجالاً أوسع للتحرك. رغم ذلك، فسوف تستغرق رحلة إلى المريخ نحو 9 أشهر، وبذلك ستكون مملة وغير مريحة. كما يمكنها أن تكون في غاية الخطورة.
الهبوط على سطح المريخ بسلام هو تحدٍّ إضافي أيضا. وقد استعملت وكالة “ناسا” رافعة فضائية مبتكرة لإنزال المسبار “كيوريوسيتي” الذي يزن طن واحد على سطح الكوكب في عام 2012.
أما كبسولة “أورايون” فتزن عشرة أطنان تقريباً، وهذا قبل إضافة وحدة الخدمة وصواريخ الهبوط.

اقرأ أيضاً  هل توجد حياة على المريخ؟

وتقوم الوكالة حالياً بتطوير دروع عملاقة واقية من الحرارة وقابلة للنفخ. وتُصمَم هذه الدروع لإبطاء سرعة المركبة الفضائية وهي تقترب من سطح المريخ، حتى يسهل إنزال تلك المركبة الضخمة.

2- الاكتفاء الذاتي

بعد الهبوط بنجاح على سطح المريخ، ستحتاج إلى الهواء والماء والطعام ومصدر للطاقة للبقاء على قيد الحياة. يمكن الاعتماد على المؤنة المنقولة من الأرض، على المدى القصير، أو تلك التي ترسل برحلات تجهيز هذه المواد. مع ذلك، وفي آخر المطاف، عليك أن تقوم بإنتاج هذه الأشياء جميعاً بنفسك.

ومن مهام مسبار الفضاء الجديد لوكالة ناسا “كيوريوسيتي 2020” – وهو في الأساس تطوير للمسبار السابق- إجراء تحليل كهربائي معين لاستخراج الأوكسجين من ثاني أكسيد الكربون في الظروف الجوية المريخية.

ويعمل رائد الفضاء السابق في وكالة “ناسا”، جيف هوفمان، على صناعة ذلك الجهاز المنوط به تنفيذ تلك المهمة.

ويقول هوفمان: “لأول مرة على الإطلاق، سنقوم بإنتاج الأوكسجين على سطح المريخ. سيكون حجم الجهاز بنسبة 1 في المئة من الحجم الذي نحتاجه لحملة استكشاف بشرية، ولكنها البداية فقط”.

تشير بعض الدلائل إلى أن المريخ كان يوماً مغموراً بالمياه، وكانت على سطحه بحيرات وأنهار ومحيطات. واليوم، من المرجح جداً وجود الماء في القمم الجليدية على سطحه، ومن المحتمل وجوده تحت السطح أيضا.

قد يكون إنتاج الغذاء على المريخ أصعب بكثير. فقد أجرت “جمعية المريخ” غير الربحية تجارب لإنبات الأغذية في محطة أبحاثها الصحراوية المعزولة في ولاية يوتا الأمريكية.

كانت آخر مهمة عمل لـ ديغبي تارفن، وهو مهندس لبرامج الكمبيوتر ومفعم بالحماسة للمريخ، في تلك المحطة قبل 10 سنوات. ويقول تارفن: “كنا نخرج بتجارب بيولوجية مشوقة، لكنها لم تكن مرغوبة من الناحية العلمية.”

أما بالنسبة للطاقة ومصادرها، فهذا واضح مع وجود خلايا الطاقة والبطاريات النووية المعززة بأشعة الشمس. وبالرغم من ذلك، ستكون هناك حاجة لإدارة جميع مصادر الطاقة هذه بعناية.

اقرأ أيضاً  من داخل مصنع ناسا للصواريخ العملاقة

3- تشكيل حكومة

كتبت سابقاً عن التحديات التي تواجه إدارة مستوطنة فضائية. البعثات الأولية – وبالأخص تلك التي تشمل وكالات الفضاء- ستدار في الغالب من قبل نظام سياسي يتمتع بالقيادة الهرمية.

فقد علمتنا السنوات الخمسين الماضية من عمر الرحلات الفضائية البشرية أن هذا النظام – وخاصة في ظروف الفضاء شديدة القيود- هو الأكثر أماناً.

ومع ذلك، هناك خيط رفيع يفصل ما بين الهيكل القيادي على شاكلة “ستار- تريك” وبين الدكتاتورية العسكرية الصارمة. فكلما نمت المستوطنة وتطورت، سيفضل سكان الفضاء نوعا ما من الديمقراطية.

يقول تشارلز كوكَيل، وهو عالم في الأحياء الفضائية بجامعة أدنبره، والذي يعكف في نفس الوقت على إعداد بحث لتطوير دستور لأماكن الإقامة في الفضاء: “مستوطنات الفضاء ستكون بيئة معرضة للاستبداد. إذا ما تحكم أحد بمصدر الأوكسجين، سيكون بمقدوره أيضاً التحكم بسهولة في جميع السكان، والتهديد بعواقب وخيمة مقابل صلاحيات وسلطات استثنائية.”

تحتاج السلطة أيضاً إلى كل المقومات والهيكلة التي تناسبها.

سيحتاج كل مجتمع جديد إلى نظام اقتصادي بالإضافة إلى نظام للمحافظة على المستوطنة، وتوفير فرص العمل، والإدارة الصحية، والعناية بالاطفال، والرعاية الاجتماعية والتربية.

باختصار: يحتاج المريخ إلى بيروقراطيين.

4- التوسع

سيعيش مستوطنو المريخ الأوائل في الكبسولات الفضائية التي سيصلون بها. وربما يتم تعزيزها ببضعة كبسولات إضافية ترسل مسبقاً إلى الكوكب الأحمر.

وربما تعزز أيضاً ببضعة قباب منفوخة. لكن، وبينما ينتفع المستوطنون من المصادر المحلية للماء والغذاء والطاقة، فإنهم سيأملون أيضاً في استخدام المواد المحلية لبناء مستوطنات أكبر، أو حتى مستوطنات أخرى ثانوية.

على أقل تقدير، سيكون منطقياً استعمال صخور المريخ لطمر المستوطنات بغرض وقاية المقيمين من الاشعاعات الكونية.

لاحقاً، يمكن حفر سطح الكوكب لبناء كهوف، أو استخراج مواد البناء من الصخور – تماماً كما نبني المنازل من الحجر على كوكبنا الأرضي. وقد يكون ممكناً استخراج مواد غير عضوية لصب المعادن والزجاج.

اقرأ أيضاً  هل يمكننا بناء قرية على القمر باستخدام الأتربة على سطحه؟

5- إنجاب الأولاد وتأسيس حضارة

كاميرون سميث هو عالم أجناس بشرية بجامعة بورتلاند الحكومية بولاية أوريغون الأمريكية، ويلمح إلى أن مجموعة سكنية من 2000 شخص ستكون كافية لضمان بقاء طويل الأمد هناك.

وقال سميث في بداية هذا العام لموقع بي بي سي فيوتشر: “إذا ما أردنا أن نحافظ على مستقبل بعيد المدى في الفضاء، فإن ذلك لن يكون ممكناً بحفنة من رواد الفضاء، بل عن طريق مجتمعات بشرية بأكملها.”

يفترض سميث أنه ستنشأ عبر الأجيال حضارة جديدة، حيث يصبح البشر أناساً مريخيين وليسوا مجرد مهاجرين.

ويتبنى روبرت زوبين، وهو رئيس “جمعية المريخ” ذلك الرأي أيضا، ويقول: “في مرحلة ما، ستخرج القاعدة المريخية عن حدودها، وتصبح قرية حقيقية، ومجتمعا واقعيا يضم أناسا حقيقيين يعيشون حياتهم بشكل كامل؛ بأطفالهم ومدارسهم وفرقهم الموسيقية.”

ويعد زوبين أحد أبرز المناصرين “لاستصلاح” المريخ: أي تحويل الكوكب من عالم أجدب بدون هواء إلى مملكة خضراء غنية بالأوكسجين، وجذابة مع نظام بيئي يعمل بشكل متكامل.

ستكون للطفل المولود تحت السماء الحمراء للمريخ ملامح مختلفة تماماً عن ذلك المولود على الكرة الأرضية، وقد لا يعود مطلقاً إلى الوطن الأم – الأرض- تماماً مثل العديد من الذين ينحدرون من أصول أوروبية من المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية، والذين أضحوا بدون جوازات سفر أوروبية.

إن كل خطوة نحو بناء حضارة بشرية على المريخ هي ممكنة بشكل متقن. ويمكن تنفيذ ذلك بقوة إذا ما ركّزنا الجهود في ذلك الاتجاه.

سيبقى عندها سؤال واحد: هل تريد حقاً أن تذهب إلى المريخ؟ أعني حقيقة وبدون ريب؟ المريخ هو عالم كئيب، وبارد، وخالٍ من الهواء، مليء بالصدأ. وببساطة سيكون البقاء حيا تحديا يومياً.

 

بي بي سي

shadow

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *