shadow

يعتقد العلماء أن بعض الأجرام السماوية الصغيرة ـ مثل الكويكبات والمُذَنَّبات السابحة في الفضاء ـ ما زالت تحتفظ ببعض المعلومات المهمة أو الخواص الأساسية من وقت نشأة وتشكيل نظامنا الشمسي. فإذا كانت لنا قدرة على دراسة بعض العينات من هذه الأجرام السماوية، فقد نتمكن من الحصول على بعض القرائن والمعلومات الثمينة، التي سوف تساعدنا بشكل كبير في فهم نشأة النظام الشمسي وتطوره، وكيفية وجود المياه والأحماض الأمينية الضرورية للحياة على كوكب الأرض.

ولكي يتم ذلك.. كان لا بد من إرسال مركبات أو مسبارات فضائية في رحلات طويلة تستغرق عدة سنوات إلى عدد من تلك المُذَنَّبات والكويكبات، وهبوط المركبات والمسبارات بنفسها، أو إنزال مختبرات صغيرة على هيئة مجسّات غير متحركة، أو عربات (رُوفرات) فضائية متحركة على أسطح تلك الأجرام السماوية. وبعد انتهاء تلك المختبرات الصغيرة من إجراء الفحوص المطلوبة، تقوم بإرسال نتائج الاختبارات إلى المركبات الفضائية الأم، لتعيد المركبات الفضائية إرسالها مرة أخرى إلى كوكب الأرض الذي يبعد ملايين الكيلومترات.

تتصف تلك النوعية من الرحلات الفضائية بشكل أساسي بصعوبات وتعقيدات من النواحي الهندسية والتقنية، لأن تلك الأجسام الصغيرة التي لا يتجاوز أطول أبعادها عدة كيلومترات فقط، وبجاذبية تكاد تكون منعدمة، تُعتبر تحديًا شديد الصعوبة، مقارنة بالرحلات السابقة إلى المريخ والقمر، على سبيل المثال. ومن خلال تاريخ ذلك النوع من الرحلات الفضائية الصعبة، نجحت حتى الآن رحلتان فقط، وهما رحلة المركبة الفضائية اليابانية (هيابوسا)، ورحلة المركبة الفضائية الأوروبية (روزيتا).
الهبوط على الكويكب

أطلقت الوكالة اليابانية لاستكشاف الفضاء JAXA المسبار (هيابوسا) (Hayabusa) في مايو 2003، من مركز أوتشينورا الفضائي بمحافظة كاجوشيما اليابانية، بواسطة الصاروخ الياباني إم 5 (M-V-5)، للوصول والهبوط على سطح كويكب صغير اسمه إيتوكاوا (Itokawa). يشبه الكويكب إيتوكاوا حبة البطاطس، ويبلغ طوله 535 مترًا، وعرضه 294 مترًا، وارتفاعه 209 أمتار، وقد أطلق عليه هذا الاسم تكريمًا لعالِم الصواريخ الياباني «هيديو إيتوكاوا».

كان الغرض الأساسي من هذه المهمة غير المأهولة، هو إنزال المركبة الفضائية (هيابوسا) نفسها على سطح الكويكب إيتوكاوا، لجمع بعض العيِّنات الصخرية من سطح الكويكب، وإعادتها إلى الأرض؛ لإجراء البحوث عليها بشكل دقيق في المختبرات الأرضية، بالإضافة إلى عمل بعض الاختبارات على سطح الكويكب بواسطة الأجهزة العلمية المحمولة على المركبة الفضائية. كما كان للرحلة بعض من المهام الفرعية الأخرى، مثل اختبار قدرات المحركات الأيونية، وقدرتها على المناورة وتغيير المسار، وتطوير عدة نظم أخرى (القائمة الكاملة انظر “مهام إضافية”).

مهام إضافية

المهام الأخرى الإضافية لرحلة المركبة الفضائية “هيابوسا” إلى الكويكب “إيتوكاوا” هي كالتالي:

اختبار كفاءة التشغيل المستمر، ومدى تحمُّل المحرِّكات الأيونية (Ion engines) في دفع المَرْكَبات الفضائية خلال الرحلات الطويلة التي قد تستغرق سنوات عديدة.

إجراء عملية تعديل مسار المركبات الفضائية وسرعتها باستخدام المحركات الأيونية، ومساعدة الجاذبية الأرضية باستخدام المحركات الأيونية (Earth swing-by using ion engines)..

إجراء المناورات للمركبات الفضائية باستخدام المحركات الأيونية للقاء الكويكبات.

تطوير نُظُم المراقبة العلمية الدقيقة للكويكبات من خلال تحليق المركبات الفضائية حولها.

اقرأ أيضاً  "فيلاي" ينفصل عن "روزيتا" ويحط على سطح مذنب

تطوير نظام لهبوط المركبات الفضائية على الكويكبات، والإقلاع منها مجددًا.

تطوير نظام جمْع عيِّنات صخرية من أجرام سماوية غير القمر، ثم العودة بها إلى كوكب الأرض.

تطوير نُظُم حماية حرارية جديدة للمَرْكَبات والكبسولات الفضائية العائدة إلى الأرض أثناء اختراقها المجال الجوي للأرض.

بعد السفر في الفضاء، وصلت المركبة (هيابوسا) إلى ارتفاع 20 كيلومترًا من الكويكب إيتوكاوا، لتبدأ التحليق فوقه وهو على بعد 300 مليون كيلومتر من الأرض في يوم 12 سبتمبر 2005. كانت جاذبية إيتوكاوا لا تكفي لأنْ تكون المركبة الفضائية (هيابوسا) تابعة له؛ فبقيت (هيابوسا) على هذا الارتفاع، تُزَامِل إيتوكاوا في الدوران حول الشمس. وبعد فترة استطلاع للكويكب، وتصوير سطحه بدقة تبلغ متًرا، وبعد مناورة ناجحة؛ تحولت المركبة (هيابوسا) في 30 سبتمبر 2005 إلى ارتفاع حوالي 7 كيلومترات من سطح الكويكب؛ لإجراء مراقبة أكثر دقة للسطح وتضاريسه. وتمكنت مركبة الفضاء (هيابوسا) من تحديد حجم ومقاييس الكويكب، وكذلك متوسط كثافته.

خلال الفترة من 8 إلى 28 أكتوبر 2005، قامت مركبة الفضاء (هيابوسا) بعمل عدة رحلات للكويكب إيتوكاوا بارتفاعات مختلفة، وبزوايا طور مختلفة (Phase angles)، لتحديد مكان الهبوط المناسب للمركبة، ولتحديد المناطق القطبية للكويكب. وتم اختيار موقع هبوط مناسب سهل التضاريس، يُسمي بحر ميوزيز (Muses sea)، لإنزال المركبة عليه؛ لأخذ العينات الصخرية المطلوبة، ثم الإقلاع بها إلى الفضاء من جديد. ولأن عملية إعطاء الأوامر من مركز التحكم والسيطرة الأرضي إلى مركبة الفضاء (هيابوسا) تستغرق ما يقارب النصف ساعة لوصول الأمر إلى المركبة، زودت المركبة بجهاز قيادة آليّ ذكيّ، له القدرة على اتخاذ القرار المناسب تلقائيًّا للتحكم في المركبة؛ لمواجهة أي سيناريوهات محتملة أثناء عملية الهبوط على الكويكب.

فى 19 نوفمبر 2005، أجرت مركبة الفضاء (هيابوسا) عملية هبوط ناجحة على سطح الكويكب إيتوكاوا لمدة 30 دقيقة، لكنها لم تفلح في تشغيل جهاز مصمَّم لجمع العينات الصخرية من سطح الكويكب. وفي 25 نوفمبر 2005، أجرت مركبة الفضاء (هيابوسا) محاولة ثانية ناجحة للهبوط برفق على سطح الكويكب، ونجحت في جمع بعض العينات الصخرية من تربة الكويكب، ثم أقلعت للفضاء من جديد؛ للاستعداد لرحلة العودة الطويلة التي استغرقت أربعة أعوام ونصف العام للوصول إلى الأرض.

وفى يوم 13 يونيو من عام 2010، عادت المركبة إلى الأرض سالمة، بعد قضاء سبعة أعوام وشهرين تقريبًا في الفضاء، قطعت خلالها ستة مليارات كيلومتر من السفر عبر الفضاء؛ لتطلق كبسولة العينات المحمية حراريًّا إلى الأرض، لتهبط في صحراء ووميرا الأسترالية. وبذلك.. تكون رحلة مركبة الفضاء اليابانية (هيابوسا) هي المحاولة الوحيدة الناجحة في تاريخ البشرية حتى الآن في الهبوط على سطح كويكب، والعودة ببعض العينات الصخرية منه إلى الأرض.
الهبوط على المُذَنَّب

أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية ESA، مركبة الفضاء روزيتا (Rosetta) في مارس 2004 من مركز جويانا الفرنسي للفضاء، بواسطة الصاروخ الأوروبي أريان 5 (Ariane 5)، للوصول إلى مُذَنَّب تشوريوموف-جيراسيمنكو الدوري، المعروف اختصارًا بالمُذَنَّب 67پ (Comet 67P)؛ لإنزال مجسّ في حجم الثلاجة الصغيرة، اسمه فيلة (Philae) على سطح المُذَنَّب. والمُذَنَّب 67پ يشبه جسم البطة، ويبلغ طول قاعدته حوالي 4.1 كيلومتر، وارتفاعه حوالي 4.3 كيلومتر. كان الغرض الأول من هذه المهمة غير المأهولة أيضًا هو إنزال المجس فيلة وحمولته العلمية المكونة من 9 أجهزة علمية على سطح المُذَنَّب، لإجراء بعض الاختبارات العلمية لدراسة المُذَنَّب وتركيبه. وفي أغسطس 2014، وبعد مرور عشر سنوات وأربعة أشهر من إطلاقها إلى الفضاء، وصلت المركبة (روزيتا) حاملة مجسّها فيلة إلى المُذَنَّب 67پ، وأتمت مناورة ناجحة؛ لتضع نفسها فوق المُذَنَّب بحوالي 22.5 كيلومتر، ولتبدأ مرحلة دراسة سطح المُذَنَّب باستخدام بعض الكاميرات والأجهزة المثبتة عليها؛ لتحديد المكان المناسب لهبوط المجسّ فيلة، وتثبيته على سطح المُذَنَّب. وتُعَدّ عملية تثبيت المجسّ بسطح المُذَنَّب صعبة للغاية، بسبب الضعف الشديد لجاذبية المُذَنَّب الناتجة من صغر حجمه، فعلى سبيل المثال.. المائة كيلوجرام على الأرض تعادل جرامًا واحدًا فقط على سطح المُذَنَّب 67پ.

اقرأ أيضاً  الحصاد العلمي العربي لعام 2014

وفى 12 نوفمبر 2014، بينما كانت المركبة (روزيتا) تحلِّق فوق المُذَنَّب 67پ، وترافقه في الدوران حول الشمس، وهما على مسافة قدرها حوالي 500 مليون كيلومتر من الأرض، انفصل المجسّ فيلة عن المركبة الأم (روزيتا)، ليتجه ناحية المُذَنَّب بسرعة إنزال مقدارها متر لكل ثانية. كان مقررًا إنزاله وتثبيته في منطقة رأس المُذَنَّب ذات التعرض الجيد لأشعة الشمس، لكنه ارتد مرتين من سطح المُذَنَّب، إحداهما بارتفاع كيلومتر، بينما يدور المُذَنَّب حول نفسه، قبل أن يستقر مائلًا على رجلين من أرجله الثلاث في منطقة أخرى شديدة النشاط، تقع في منطقة عنق المُذَنَّب، ويغلب عليها الظل، وفوهات الحفر، والصخور. ربما يرجع هذا الخطأ إلى تأثير طفيف حدث في عزم دوران المركبة (روزيتا) حول مركز ثقلها لحظة قذف المجسّ تجاه المُذَنَّب، مما قد يتسبب في انحراف طفيف في مسار المجسّ وهو في طريقه إلى المُذَنَّب، أو قد يكون نتيجة انبعاث بعض الغازات، أو تطاير أتربة من سطح المُذَنَّب؛ مُحْدِثةً رياحًا ضعيفة أثناء هبوط المجسّ فيلة.

وفي 15 نوفمبر 2014، وبعد 64 ساعة فقط من نزول المجسّ فيلة على سطح المُذَنَّب، أعلنت وكالة الفضاء الأوروبية عن توقف المجس تمامًا عن العمل، ودخوله في حالة سبات، بسبب نفاد بطارياته، وعدم قدرته على إعادة شحنها بالطاقة عن طريق الألواح الشمسية المثبتة على جوانبه، كما كان مخطَّطًا له، وعدم قدرته على استكمال الاختبارات التي كان مقررًا لها فترة ثلاثة أشهر من بعد التصاق المجسّ بسطح المُذَنَّب. وقد أعلنت وكالة الفضاء الأوروبية لاحقًا أنه من المحتمل أن تجري محاولة إعادة شحن بطاريات المجسّ من جديد في أغسطس 2015، عندما يصل المُذَنَّب إلى منطقة تجعل المسبار يواجه أشعة الشمس من جديد. وفى تقديري الشخصي أن الأمر قد يكون انتهى إلى هذا الحد، فبعد عدة أشهر سوف يقترب المُذَنَّب كثيرًا من الشمس؛ مما سيؤدى إلى ارتفاع درجة حرارته، وانبعاث الغازات منه، وتطاير بعض الأتربة من سطحه؛ مكوِّنةً ذيلًا ضخمًا له، قد يقضي على المجسّ فيلة وأجهزته الدقيقة، أو يطيح به إلى الفضاء. ورغم ذلك.. ستظل هذه المهمة هي أول محاولة ناجحة لهبوط مجسّ على سطح مُذَنَّب في تاريخ البشرية. والمعلومات التي حصلنا عليها من المجسّ فيلة خلال فترة عمله القصيرة ربما تصنع نقلة كبيرة في فهم طبيعة المُذَنَّبات.
المزيد من الكويكبات

اقرأ أيضاً  مجس من روزيتا إلى سطح مذنب يدور حول الشمس

في الثالث من ديسمبر الماضي، أطلقت وكالة بحوث الفضاء اليابانية JAXA المركبة الفضائية (هيابوسا 2)، (Hayabusa 2). وقد تمت عملية إطلاق المسبار الفضائي بنجاح من مركز تانيجاشيما الفضائي بمحافظة كاجوشيما اليابانية، بواسطة الصاروخ الياباني إتش-2أ (H-IIA)، للوصول إلى كويكب صغير اسمه جو3 1999 (1999 JU3)، وهو من النوع C الغني بالمركبات الكربونية، ويُعتقَد أن طوله حوالي 980 مترًا فقط.

الهدف الأساسي من هذه البعثة غير المأهولة هو إنزال المركبة الفضائية (هيابوسا 2) برفق على سطح الكويكب ثلاث مرات في مناطق مختلفة، لجمع ثلاث عيِّنات من سطح الكويكب، وجلبها إلى الأرض لدراستها. وستشمل إحدى عمليات الهبوط لجمع العينات، إنزال عبوة ناسفة منها تجاه المُذَنَّب؛ لتنفجر بمسافة كافية قبل الوصول إلى سطح المُذَنَّب، مُطْلِقَةً قذيفة معدنية لحفر جزء من سطح الكويكب، وتمهيده قبل هبوط المركبة عليه لأخذ عيِّنات منه غير سطحية.

(هيابوسا 2) هي رحلة متابعة لرحلة (هيابوسا) الأولى (2003-2010)، وتهدف إلى استكمال ما وصلت إليه الرحلة الأولى من خلال استهداف كويكب آخر، ومعالجة نقاط الضعف في رحلة (هيابوسا) الأولى. سوف تستخدم مركبة الفضاء (هيابوسا 2) محركات أيونية حديثة للدفع الفضائي، أكثر قوة بحوالي %20 من سابقتها، وتكنولوجيا للملاحة والتوجيه، وهوائيات، وأنظمة تحكم في الارتفاعات جديدة وأكثر تطورًا. ومن المتوقع أن تصل مركبة الفضاء إلى الهدف في يوليو من عام 2018، لتمسح الكويكب لمدة عام ونصف العام، قبل أن تهبط عليه ثلاث مرات، وتجمع العيِّنات المطلوبة، ثم تغادره في ديسمبر 2019، لتعود إلى الأرض في ديسمبر 2020.

على الجانب الآخر.. تخطط وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» لإطلاق مركبتها الفضائية أوزوريس -رِكْس (Osiris-Rex). وهي تهدف إلى زيارة أحد الكويكبات الصغيرة القريبة من الأرض، يُسمي بينو (101955 Bennu)، يُعتقد أن قطره حوالي 493 مترًا، وأنه غني بالمركّبات الكربونية، لدراسته، والتقاط عيِّنات من تربته، دون هبوط المركبة على الكويكب، وذلك عن طريق استخدام ذراع آلي طويل مثبت في المركبة بعد اقترابها بشكل كافٍ من الكويكب، ثم إعادة تلك العيِّنات لاحقًا؛ لتتم دراستها بدقة على الأرض. ووفق المخطط المبدئي المعلَن، سوف تنطلق المركبة أو المسبار (أوزوريس – رِكْس) في عام 2016 نحو الكويكب بينو، لدراسته، ثم العودة بعيِّنات منه إلى الأرض بحلول عام 2023.

بتنفيذ تلك الرحلات الفضائية، والتغلب على تحدِّياتها الفنية الكبيرة، يتوقع العلماء إمكانية توسيع معرفتهم من خلال العيِّنات الملتقَطة من الكويكبات والمُذَنَّبات، أو المختبَرة على سطوحها عن الفترة التي سبقت ولادة النظام الشمسي وتطوره، وعن المراحل الأولية لتشكُّل الكواكب، وأخيرًا تحديد مصادر المياه والمركبات العضوية التي أدت إلى تشكُّل الحياة على كوكب الأرض.

 

محمد سيد علي حسن

مجلة نيتشر العربية – عدد يناير 2015

shadow

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *