shadow

«من هو أغنى رجل في العالم حاليًا؟» بالطبع هو مؤسس شركة مايكروسوفت، الأمريكي بيل غيتس. «وكم تقدر ثروته؟» طبقًا لمجلة فوربس الأمريكية فهي تبلغ حاليًا 75 مليار دولار أمريكي. «وكم يبلغ إجمالي الدخل العام لشركته؟» حوالي 94 مليار دولار طبقًا لبيانات عام 2015.

فلنتعمق أكثر: «كم يبلغ إجمالي ثروة جميع المليونيرات الموجودين على سطح الكرة الأرضية؟» هناك حوالي 1810 ملياردير موجودين حاليًا، وتبلغ إجمالي ثرواتهم 6,5 تريليون دولار. هل يمكن لك أن تتخيل أن تكون هذه الثروة الفاحشة ملكًا لشخص واحد، أو لعدد قليل من الأشخاص لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. ليس أمرًا مستحيلًا ولا ضربًا من الخيال. فمجال الأعمال الذي يمكنه أن يمنح شخصًا ما هذه الثروة الهائلة أصبح متاحًا وموجودًا بالفعل. إنه التنقيب عن المعادن والمواد الثمينة في الأجرام السماوية المحيطة بنا.

صناعة بمليارات الدولارات

قال المؤسس المشارك والرئيس المشارك لشركة بلانيتري ريسورسز «Planetary Resources»، إريك أندرسون، في تصريحات لشبكة سي إن بي سي «CNBC» يوم 10 مارس (آذار) الماضي، أن الموارد غير المحدودة الموجودة في الفضاء سوف تساعد على دفع الاقتصاد العالمي وازدهاره في المستقبل. أشار أندرسون أيضًا إلى أن هذا المجال الجديد من الأعمال سيكون بقيمة تريليونات الدولارات، وبالتالي فإن الشركات الأولى التي ستستثمر في هذا المجال ستعود إليها أرباح بمئات المليارات ومن الممكن أن تصل بالفعل إلى التريليونات.

التنقيب في الفضاء

ويقصد بالتعدين الفضائي أو التنقيب في الأجرام السماوية، استغلال المواد الخام من الكويكبات والكواكب القزمة، بما فيها الأجرام السماوية شديدة القرب من الأرض. فالمعادن والمواد المتطايرة يمكن أن يتم استخراجها من كويكب قريب أو مذنب، ثم يتم استخدام هذه المواد في عمليات الاستخدام في الموقع «in-situ utilization». بمعنى آخر فإننا نقوم بالتنقيب عن المعادن والمواد الهامة في الكوكبات والمذنبات ثم نستخدمها في صناعة مواد البناء والصواريخ مثلًا في نفس موقع الاستخراج. أيضًا فإن بعض المواد المستخرجة يمكن بالطبع إعادتها إلى الأرض للاستفادة منها بطرق مختلفة.

اقرأ أيضاً  في 2015.. العالم يحتفل بالضوء وابن الهيثم

وتشمل المواد المستخرجة كلًّا من الذهب، والإيريديوم، والفضة، والأوسيميوم، والبلاديوم، والبلاتين، والرنيوم، والروديوم، والروثينيوم، والتغستن، وهذه هي المواد التي تتم إعادتها للأرض. بينما من المواد التي تستخدم في عمليات صناعة الصواريخ بنفس مواقع الاستخراج فهناك الحديد، والكوبالت، والمنغنيز، والألومنيوم، والموليبدنيوم، والنيكل، والتيتانيوم. كذلك فهناك الماء والأكسجين بفرض الحفاظ على حياة رواد الفضاء. وأضف لهذا كله الهيدروجين، والأمونيا، والأكسجين؛ لاستخدامها في وقود الصواريخ.

التكلفة المرتفعة وشح الموارد

ونتيجة لارتفاع تكاليف عمليات النقل الفضائي، فإن تقنيات الاستخراج والتنقيب لا تزال قيد التطوير وسط شكوك حول إمكانية القيام بهذا الأمر على مستوى واسع وتجاري. ولا يزال بالطبع الاعتماد الرئيسي للحصول على المعادن والمواد الهامة، على التعدين الأرضي. لكن من المرجح بقوة أن يتغير هذا الأمر في المستقبل، خصوصًا مع ندرة الموارد الموجودة على كوكب الأرض واستهلاكها بشكل متزايد في السنوات الأخيرة. يعمل العلماء حاليًا بكل قوة على التوسع في تطوير تقنيات تنقيب وتعدين تلائم الأجرام الفضائية، بالإضافة لتطوير تقنيات أقل تكلفة للسفر عبر الفضاء.

طبقًا للاحتياطات الأرضية لمعدلات الاستهلاك الحالية مع الارتفاع الكبير في النمو السكاني، فإن العناصر الأساسية اللازمة للصناعة الحديثة والإنتاج الغذائي يتوقع أن تُستهلَك خلال 50 إلى 65 عامًا من الآن. أبرز هذه العناصر هي الفوسفور، والأنتيمون، والزنك، والقصدير، والرصاص، والإنديوم، والفضة، والذهب، والنحاس.

من هنا ظهرت فكرة التعدين على سطح بعض الكويكبات الغنية بهذه المعادن الهامة والنفيسة، وإرسالها إلى كوكب الأرض بغرض جني الأرباح من جهة، وبناء أقمار صناعية تعمل بالطاقة الشمسية والمركبات الفضائية الخاصة بحياة رواد الفضاء خارج كوكب الأرض.

ويجدر الإشارة هنا إلى أنه نتيجة للجاذبية الكبيرة لكوكب الأرض مقارنةً بالكويكبات المحيطة، فإن غالبية المعادن المحبة أو الشبيهة بالحديد قد تم جذبها إلى قلب الكوكب في الوقت الذي كان فيه الكوكب منصهرًا. هذا الأمر جعل القشرة الأرضية فارغة تمامًا من هذه المعادن النفيسة إلى أن بدأت عمليات هطول الكويكبات والتحامها بالأرض لتمنح القشرة الأرضية مخزونها الحالي من هذه المعادن.

اقرأ أيضاً  علماء فلك يكتشفون آثار حضارة خارقة لكائنات فضائية

رصد الكويكبات

منظمة بي 612 (B612 foundation)، هي منظمة خاصة غير حكومية غير ربحية مقرها الولايات المتحدة الأمريكية. هذه المنظمة تكرس هدفها الرئيسي لحماية الأرض من ضربات الكويكبات. وباعتبارها منظمة غير ربحية، فقد قامت بتوصيل خطين متصلين من الأبحاث، الأول يهدف إلى المساعدة في الكشف عن الكويكبات التي يمكن أن تضرب الأرض في يوم من الأيام. والثاني يهدف إلى العثور على الوسائل التكنولوجية اللازمة لتحويل مسار الكويكبات القادمة نحو الأرض لتجنب التصادمات القوية.

الهدف الحالي للمؤسسة يتمثل في تصميم وبناء تليسكوب فضائي عملاق ممول عبر القطاع الخاص، ومخصص لتقصي وتتبع الكويكبات في الفضاء. هذا التليسكوب من المتوقع إطلاقه خلال عامي 2017 و2018، ويطلق عليه اسم الحارس «Sentinel» ويعمل بالأشعة تحت الحمراء.

وبمجرد أن يستقر هذا التليسكوب في مدار شبيه بمدار كوكب الزهرة، فإنه سيكون قادرًا على تحديد الكويكبات التي يمكن أن تهدد الأرض، وسيقوم بفهرسة 90% من الكويكبات التي يزيد قطرها عن 140 مترًا. وسيقوم هذا التليسكوب أيضًا بعملية مسح للأجرام السماوية الصغيرة الموجودة في النظام الشمسي.

المهم هنا أن البيانات التي سيحصل عليها هذا التليسكوب سيتم توفيرها من خلال شبكة لتبادل البيانات العلمية تضم وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا NASA»، وبعض المؤسسات الأكاديمية مثل مركز الكواكب الصغيرة في جامعة كامبريدج. ونظرًا لدقة هذا التليسكوب الفضائي، فستكون هذه البيانات مفيدة جدًا بالنسبة للبعثات المستقبلية المحتملة مثل تلك الخاصة بعمليات التعدين في الفضاء.

عملية التعدين

كما ذكرنا سابقًا، فإن منتجات عملية التعدين يمكن استغلالها عبر إعادتها إلى الأرض، أو من خلال عمليات التصنيع في مواقع الاستخراج. هناك خيار ثالث يمكن القيام به، يتمثل في نقل الكويكب إلى مدار معين حول الأرض أو حول القمر. هذا الأمر من شأنه – نظريًا – أن يسمح باستخدام جميع مخرجات عملية التعدين وعدم فقدان أيٍّ منها.

هذه الفكرة وضعتها «ناسا» من خلال مهمة مستقبلية تدعى مهمة تغيير مسار الكويكب «Asteroid Redirect Mission». ولا يزال هذا المشروع في مراحل التخطيط الأولى. ويتمثل هذا المشروع في توجيه مركبة فضائية نحو كويكب كبير يقترب من الأرض، ثم تستخدم ذراعًا ضخمة متصلة بالمركبة للقبض على جزء صخري من الكويكب بحجم 6 أمتار، وتوجيه الكويكب إلى مدار معين حول القمر.

اقرأ أيضاً  معلومات و حقائق عن الدم

وتختلف عملية التعدين باختلاف الكويكب؛ فهناك بعض الكويكبات التي يتم الحصول على المواد الثمينة منها عبر كشط هذه المواد من التربة السطحية باستخدام مغرفة، خصوصًا وأن هناك أدلة قوية على أن العديد من الكويكبات تتكون من أنقاض. أيضًا فإن بعض الكويكبات تتضمن عمليات التعدين بها حفر منجم واستخراج المواد عبر فتحة المنجم هذه، وهذا يتطلب معرفة دقيقة بمكان تواجد المعادن الموجودة من خلال عملية مسح شاملة. هناك تقنيات أخرى تتمثل في استخدام مغناطيس كبير لسحب المواد المعدنية القريبة من السطح.

عمليات اُعلنَ عنها

في عام 2012، أعلن عن خطة من قبل رجل أعمال ملياردير للقيام بعمليات تعدين للكويكبات. الشركة المعلنة هي شركة بلانيتري ريسورسز، ومالكاها إريك أندرسون وبيتر ديامانديس. هذه العملية التي ستتكلف عدة ملايين من الدولارات ستتضمن استخدام مركبات فضائية روبوتية لضغط المكونات الكيميائية للوقود والمعادن مثل البلاتين والذهب في الصخور.

ويهدف المشروع إلى إنشاء مخزن للوقود في الفضاء بحلول عام 2020. تخيل أن تكون هناك محطة وقود في الفضاء تستخدمها الرحلات الفضائية المختلفة للتزود بالوقود. وقد رد العديد من العلماء على هذه الفكرة الجريئة بأنها صعبة التنفيذ ومكلفة للغاية، فالأوقية الواحدة من الذهب يبلغ سعرها على الأرض 1600 دولار أمريكي، ومهمة «ناسا» القادمة التي تهدف إلى العودة بحوالي أوقيتين فقط من الذهب ستكلف حوالي مليار دولار.

هناك شركة ثانية تدعى «Deep Space Industries» أعلنت عن نيتها في البدء بعمليات التنقيب، والبحث عن الكويكبات المناسبة للتعدين خلال عام 2016 والعودة إلى الأرض بعينات من بعض الكويكبات. وتنوي الشركة التعدين على سطح بعض الكويكبات على نطاق واسع نسبيًّا خلال عام 2023.

علاء الدين السيد – ساسة بوست

shadow

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *