shadow

يعجز الكثيرون منّا حتى عن إدراك أنهم يتصرفون بشكل ينطوي على تمييز عرقي أو جنسي، كما لا يعتقدون أن هناك عواقب ما للأفعال التي يُقْدِمون عليها بإيحاء من عقلهم الباطن، إلى أن يروا دليلا علميا على ذلك، وهو الدليل الذي نتناوله في السطور التالية.

تُطبق في الدولة التي أعيش فيها قوانين تحظر التمييز على أساس الأصل العرقي أو الدين أو النوع أو الميول الجنسية.

فقد قطعنا شوطاً طويلاً، بعيداً عن تلك الأيام، التي كانت فيها الممارسات المعاكسة لذلك جائزة وصائبة بحكم القانون؛ حين كانت المثلية الجنسية – مثلاً – محظورة قانوناً، أو عندما كانت المرأة محرومة من حق التصويت.

لكن هذا لا يعني بطبيعة الحال أن عهد الظلم والإجحاف والتمييز قد ولّى. ففي أيامنا هذه؛ يتعين علينا الشعور بالاهتمام بل والقلق إزاء أنماطٍ أكثر دهاءً وتخفياً من التمييز والتحيز، تماماً كما أولينا اهتمامنا في السابق بممارساتٍ جعلتنا نشعر بالخجل إزاء ماضينا؛ من قبيل التمييز بين الجنسين أو التلفظ بكلمات تحتوي على إهانات عنصرية.

ويشكل التحيز الخفي أو المستتر ساحةً تعج بممارساتٍ جائرة يقدم عليها البعض، مثل الافتراضات المجحفة غير المنطقية، والرسائل السياسية الموجهة لشريحة ديموغرافية بعينها من المجتمع، قد تكون كذلك الشريحة الوحيدة القادرة على فهم واستيعاب هذه الرسائل.

كما تشمل هذه الممارسات الإخفاق الواضح في بذل جهود من شأنها تجنب إقصاء أُناسٍ مختلفين عنّا، أو لا يتوائمون مع توقعاتنا.
وفي اللغة الإنجليزية؛ يُستخدم مصطلح “microaggressions” للإشارة إلى ذاك النمط المستتر والخفي من التمييز والتحيز.

إذ يشير هذا المصطلح إلى تصرفات؛ من قبيل تكرار وتبني صورة نمطية نزقة عن الآخرين لا تتسم بمراعاة شعورهم، أو مثل الإسراع المفرط في رفض رأي شخص ما، وهي أفعال تبدو أقل أهمية من أن يُعلق المرء عليها، ولكنها يمكن أن تفضي – رغم ذلك – إلى إقصاء شخص ما وتهميشه عن محيطه الاجتماعي.

وربما لا يكون من يُقْدِمون على مثل هذه التصرفات مدركين بأي شكل من الأشكال أنهم يُكِنون آراء متحيزة. وهنا يفرق علماء النفس ما بين توجهاتنا وسلوكياتنا الصريحة الظاهرة، التي تتمثل في المعتقدات والمشاعر التي نُقر بأننا نؤمن بها، وتوجهاتنا الضمنية المُضْمَرة، وهي ما تكشفه تصرفاتنا وأفعالنا من معتقدات ومشاعر نُكِنُها حقاً، دون أن نعلن ذلك.

فمثلاً، قد يقول المرء إنه لا يُميّزُ بين الجنسين، بل وإنه يناهض ذلك تماماً، ولكن إذا ما كان هذا الرجل نفسه يقاطع النساء أكثر من الرجال خلال حديثهن أثناء اجتماعات العمل، فإن ذلك يُظهر وجود توجه ضمني معادٍ للمرأة لديه، يخالف كليةً ذاك الموقف الظاهر الرافض للتمييز بين الجنسين؛ الذي يُجاهر به.

اقرأ أيضاً  دراسة تبحث أسباب السلوك العدواني أثناء القيادة

“ثقافة الضحية”

النقطة المهمة هنا بشأن ذلك التحيز الخفي المستتر هو كونه – بحكم التعريف – غامضاً غير واضح، ويتجسد مثلا في الكثير من الاختلافات الطفيفة التي يصعب تمييزها، والتي تُفرِّق أسلوب تعامل المرء مع شخص ما عن تعامله مع سواه، أو في تعليقات جانبية خافتة النبرة، ولفتات استهزاء لا تكاد تُلحظ.

ويجعل ذلك كله من العسير قياس مدى وحجم مثل هذا التحيز الخفي، كما يجعل من الصعب التعامل معه ومواجهته، بل إنه يصبح عسيراً – على البعض – أخذ هذا الأمر برمته على محمل الجد.

غير أن ثمة أسلوب تفكيرٍ متشككاً في هذا الشأن مفاده أنه عندما يشكو البعض من تعرضه لمعاملة تمييزية ولكن في أمور تافهة، فإنه يتصرف هنا بحساسية مفرطة، ويحاول ارتداء ثوب الضحية.

وبحسب هذه الرؤية؛ تبقى الفوارق الطفيفة في معاملة هذه الفئة المجتمعية أو تلك – على سبيل المثال – أمرا هيناً ليس إلا، ولا يكون لتلك الفروق تأثيرٌ كبيرٌ على مجريات حياة هذه الفئة، بل إنه لا يتعين علينا أن نجعل هذا الأمر محوراً لاهتمامنا.

الآن، ستسنح لك الفرصة لبلورة انطباعك الخاص حيال رؤية مثل هذه. لكن اهتمامي هنا ينصب على كيف سيكون بوسعك اختبار صحة فكرة أن من شأن الكثير من الأمور السلبية والمزعجة، وغير المهلكة في الوقت نفسه، أن تفضي في نهاية المطاف إلى ضررٍ لا يستهان به.

ففي هذا الصدد، تكشف تجربة عتيقة – أُجريت للتعرف على كيفية تأثير الأصل العرقي لمن حولنا على تعاملاتنا معهم – ليس فقط عن الأشكال المتنوعة والكثيرة التي يؤثر من خلالها اختلاف الأصل العرقي في تلك التعاملات، ولكنها تُميط اللثام أيضاً – وبطريقة ذكية – عن أننا إذا ما تعرضنا جميعاً لتمييز خفي ويتسم بالدهاء، فإن ذلك سيسبب معاناةً حتى لأكثر من ينعمون منّا، بسمات وصفات ذات حظوة في الوسط الاجتماعي الذي نعيش فيه.

ففي أوائل سبعينيات القرن الماضي، استعان فريق بحثي من جامعة برنستون الأمريكية يقوده الباحث “كارل وورد” بطلاب بيض البشرة، لإجراء تجربة قيل لهم إنها ستتناول تقييم جدارة المتقدمين لشغل إحدى الوظائف.

ولكن الحقيقة التي لم يُطلع عليها هؤلاء الطلاب، هو أن التجربة كانت تتمحور في الواقع حول دراسة كيفية تعاملهم مع المرشحين المفترضين للوظيفة، وما إذا كان هذا التعامل سيختلف باختلاف ما إذا كان المتقدم لشغلها أبيض البشرة أم أسودها.

وهكذا، فرغم اعتقاد أولئك الطلاب بيض البشرة، بأن مهمتهم تتمثل في اختيار أفضل المرشحين للوظيفة، فإن تعاملهم مع من تقدموا لشغلها، اختلف بناءً على لون بشرة هؤلاء المتقدمين المفترضين، من خلال تصرفات من قبيل؛ الجلوس قريباً منهم أو بعيداً عنهم خلال المقابلة، أو إبداء إشارات – أقل أو أكثر – على التفاعل مع من يقابلونه منهم؛ مثل النظر في أعينهم مباشرةً، أو الميل نحوهم خلال الحديث.

اقرأ أيضاً  دراسة: الأجداد الذين يساعدون في رعاية أحفادهم يعيشون لفترة أطول

وقد أظهرت دراسة تالية ومُكملة لهذا العمل البحثي، جرت بعد ذلك بسنوات، أن نتائج الدراسة الأصلية لا تزال قائمة، وأن تلك الإشارات والإيماءات غير اللفظية المرتبطة بإبداء الود والصداقة أو بعدم إبدائها، لا تتصل بالتوجهات والسلوكيات الظاهرة، التي يجهر المبحوثون بأنهم يؤمنون بها، ولذا فإنها تصدر بشكل منبت الصلة تماماً، عن معتقداتهم المعلنة بشأن قضية العنصرية والتعامل مع المنحدرين من أصول عرقية مختلفة عنهم.

ولكن حتى الآن، لا يبدو أن التجربة التي جرت في جامعة برنستون، تضيف لأي شخص تعرض لتمييز في المعاملة بسبب أصله العرقي، أي جديد يختلف عما استخلصه بالفعل من تجربته المؤلمة في هذا الشأن.

فالمتقدمون للوظيفة المفترضة من ذوي البشرة السوداء، عوملوا بشكل أقل وداً من نظرائهم البيض، ليس فقط فيما يتعلق بالإيماءات والإشارات غير اللفظية التي صدرت حيالهم خلال المقابلات، وإنما كذلك فيما يتصل بالوقت الذي مُنح لكل منهم للحديث خلالها.
ففي المتوسط تبين أن ما حظوا به من وقت يقل بنحو الربع، عما حصل عليهم أترابهم البيض للحديث أثناء المقابلات. بطبيعة الحال يشكل ذلك في حد ذاته تحيزا وإجحافا. ولكن ما هو حجم الضرر الذي يلحق بمن يُعامل على هذه الشاكلة؟

هنا تمنحنا تجربة ثانية أجراها “وورد” وسيلةً للتعرف على إجابة هذا السؤال. فبعد أن جمع فريقه البحثي القراءات والقياسات الخاصة بالسلوكيات غير اللفظية التي شهدتها التجربة الأصلية؛ استعان الفريق ببعض المتطوعين الجدد، ودربهم على إبداء ردود فعل مماثلة، لتلك التي بدرت من الطلاب الذين جرى الاستعانة بهم في التجربة الأولى.

بعبارة أخرى، دُرب المتطوعون الجدد على معاملة المتقدمين المفترضين لشغل الوظيفة من ذوي البشرة البيضاء كما عومل أقرانهم في التجربة الأصلية؛ أي أن يقيموا معهم اتصالاً بصرياً، وأن يبتسموا في وجوههم، وأن يجلسوا قريباً منهم، وأن يمنحوهم وقتاً أطول للحديث خلال المقابلة.

كما دُربوا على معاملة المتقدمين سود البشرة بمثل ما عومل به نظراؤهم في التجربة الأولى، أي أن يقللوا الاتصال البصري المباشر معهم، وألا يبتسموا كثيرا في وجوههم .. إلخ. وبخلاف هذا التمييز المتعلق بالإيماءات غير اللفظية، توجب على المتطوعين معاملة المتقدمين جميعاً بإنصاف ودماثة.

بعد ذلك، استعان الباحثون بالمزيد من طلاب جامعة برنستون من ذوي البشرة البيضاء، للعب دور المتقدمين للوظيفة. ووُزِعَ هؤلاء بشكل عشوائي، ليلقى بعضهم معاملة المتقدمين السود في التجربة الأولى، بينما يحظى البعض الآخر بالمعاملة التي نَعُمَ بها المتقدمون البيض خلالها أيضا.

اقرأ أيضاً  القلق يستحوذ أكثر على النساء والشباب

وتتيح نتائج التجربة الثانية لنا الفرصة لرؤية ما ينجم عن التمييز في المعاملة من آثارٍ، يمكن في الحقيقة التنبؤ بها. فبحسب تقييم مُحكمين مستقلين، كان أداء المتقدمين المفترضين للوظيفة، ممن وُوجِهوا بالإشارات غير اللفظية السلبية المماثلة لما لاقاه السود في التجربة الأصلية، أسوأ خلال المقابلة من أقرانهم ممن عوملوا على نحو مختلف.

فقد اقترف هؤلاء زلات كلامية أكثر بكثير، من قبيل التردد والتلعثم والخطأ في اختيار الكلمات، فضلاً عن عدم إكمال العبارات والجُمَلْ. كما أنهم اختاروا الجلوس بعيداً عمن يجرون معهم المقابلة، حينما أُتيح لهم ذلك، بعد فترة توقف خُطط لأن تتضمنها المقابلات، لمنحهم الفرصة للقيام بهذا الأمر إذا أرادوا.

وهكذا فلم يكن من العسير إدراك أنه في مواقف مهمة، مثل إجراء المرء مقابلةً لإثبات جدارته بشغل وظيفة ما، تكفي مثل هذه الفوارق في المعاملة لأن يُمنى الإنسان بالفشل وأن يفقد فرصته في نيل هذه الوظيفة.

لكن اللافت هنا أن الفروق غير اللفظية أو المنطوقة في المعاملة، التي أثرت بالسلب على أداء المشاركين في التجربة، ربما تصدر عن كثيرين منّا، دون أن نقصدها أو نَعيّها بشكل كامل.

والأكثر من ذلك، فإن الضرر الذي نجم عن ذلك “التمييز الخفي” لَحِقَ بطلاب جامعة برنستون؛ إحدى جامعات الصفوة في العالم؛ وهو ما يشير إلى أن معاملة مثل تلك، سببت معاناةً حتى لطلابٍ بيض البشرة ينتمون لنخبة ذات وضع اجتماعي متميز.

وهذا يجعلنا نتوقع حدوث أضرار أكبر لمن يمرون بمواقف تنطوي على ضغوط هائلة، مثل مقابلات التقدم للوظائف، دون أن يكونوا مسلحين بأي امتيازات اجتماعية أو اقتصادية، كتلك التي يحظى بها طلاب جامعة مرموقة مثل برنستون.

غير أن تجارب مثل هذه، لا ترسم صورة كاملة وصادقة بشأن التمييز العنصري وعواقبه. فملامح مشكلات مثل العنصرية، تتحدد بما هو أكثر من مجرد توجهات أو مواقف فردية، كما أنها تتفاقم في أغلب الأحيان؛ بفعل تصرفات ظاهرة ومُعلنة تنطوي على إجحاف وتمييز، جنباً إلى جنب مع السلوكيات التي تنطوي على تحامل خفي.

فالعنصرية ستؤثر على المتقدمين لوظيفة ما، قبل خوضهم المقابلة الرامية لتحديد جدارتهم لشغلها، وخلال هذه المقابلة وبعدها، وذلك بأشكال أكثر تنوعاً بكثير من تلك التي تحدثت عنها في السطور السابقة.

ولذا فإن ما يكشف عنه هذا العمل البحثي، ما هو إلا نمط واحد، يمكن أن تُخلِّفُ فيه ردود فعل الناس حيال أقلية ما في المجتمع تأثيراتٍ قوية، حتى وإن كانت ردود الفعل هذه قد حدثت بنوايا حسنة ولأغراض بحثية. فالفوارق الطفيفة في التعامل يمكن أن تُحدِثُ اختلافاً ذا مغزى.

بي بي سي

shadow

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *